لن أصمت بعد الآن: غونتر غراس : ضمير الإنسانية الحي | حزب حاتم

لن أصمت بعد الآن: غونتر غراس : ضمير الإنسانية الحي

أربعاء, 07/01/2015 - 18:30

د. مخلص الصيادي

في قصيدته "ما ينبغي أن يقال " يقدم الشاعر الألماني غونتر غراس مثالا مهما على ضرورة أن لا يفقد المناضلون والمجاهدون الثقة بالضمير الإنساني، وعلى أهمية العمل لأجل هذا الضمير ومن يمثله، وعلى أن هذا الضمير في حالة صفائه يقدم معايير للحكم على الأشياء والظواهر، ولتحديد الاتجاهات والرؤى، وللإمساك باللحظة الفارقة التي لايصح عمل بدونها.

في هذه القصيدة "التي أستعير ترجمتها" يقدم لنا تكثيفا مميزا لطبيعة النظام الغربي الذي بات مرتهنا بالكامل للرؤية الصهيونية، ولمصالح الصهيونية، وسبيله في هذا التكثيف موقف الغرب من إيران والكيان الصهيوني إزاء القضية النووية، إذ بينما يهدد ويتوعد ويوقع العقوبات على إيران التي تقوم بمتلاك التكنولوجيا النووية، غير عابئ بآثار ذلك على شعب بكامله، بدعوى أن لديها برنامجا سريا لصناعة أسلحة نووية، يغمض الطرف عن ترساتة نووية كاملة في الكيان، وعن صناعات عسكرية نووية كاملة في الكيان، بل إن هذا الغرب يذهب الى أبعد من ذلك فلا يرى حرجا في اتجاه قادة الكيان الى ما بات يعرف ب"الضربة الاستباقية" لإيران بدعوى منعها من امتلاك السلاح النووي، ويعمل على تشجيعهم بالصمت حينا وبزيادة تسليح كيانهم حينا آخر.

القصيدة ضربت الكيان في الصميم حينما سطرت أنه يمثل تهديدا للسلام والأمن الدوليين، بل ولمستقبل الانسانية، وأنه هو ليس النظام الايراني ما يجب على المجتمع الانساني التصدي له.
والشاعر في قصيدته يقطع بأنه لم يعد الصمت جائزا، يقول أنه صمت كثيرا، صمت بدافع الخوف ، وصمت بدافع الجبن، وصمت لأسباب كثيرة، لكن ذلك ما عاد جائزا، فلا صمت بعد اليوم، وهو يدعو الى أن يصحو الجميع قبل فوات الأوان فالدمار الذي يجر قادة الكيان العالم إليه سيكون شاملا، وإذا حدث فلن ينفع بعد ذلك ندم.
القصيدة في مضمونها العام موقف ضد طغيان الصهيونية على العقل والسياسة الغربية، وهو الطغيان الذي تحول إلى قوانين زاجرة وعقوبات قاهرة لكل من يتعرض لهذا الكيان تحت عنوان " تجريم اللاسامية"، ومثال القصيدة ومحورها الظاهر إيران والموقف الغربي إزاء قضيتها النووية.
ورغم أن المثال الفلسطيني في القصيدة عرضي، وجزئي إلا أنني أراه مكونا رئيسيا في استهدافات القصيدة، فالعقل الغربي تجاه الملف النووي الإسرائيلي والسعار الغربي تجاه الملف النووي الإيراني، يطابق من زاوية الضمير والأخلاق والتحرك السياسي والدعم المادي والمعنوي، العمى الغربي عن الجرائم الإسرائيلية في فلسطين: تجاه الشعب الفلسطيني، والأرض الفلسطينية، والشجر الفلسطيني، والماء الفلسطيني. وتجاه العدوانية المفضوحة التي يقوم بها المستوطنون الصهاينة ليس فقط في مواجهة الفلسطينيين وإنما أيضا في مواجهة من يناصر ويتضامن مع الفلسطينيين من الغربيين الذين صحت ضمائرهم، ووصلوا إلى مرحلة رفض الصمت، وانتقلوا إلى أرض فلسطين ليضعوا أيدهم بأيدي هؤلاء المظلومين ويقولوا كفى لم يعد الصمت ممكنا، ثم ليكونوا على استعداد لتقديم أرواحهم في التصدي للعدونية الإسرائيلية، وقد يكون مفيدا أن نذكر لهذا الشاعر الألماني موقفه الدائم إلى جانب القضية الفلسطينية، وإلى جانب الشعب الفلسطنيني وحقوقه ، وبل وإلى جانب حق الأمة العربية بالنهوض والتقدم.
نعم المثال الإيراني الذي يسلط غونتر غراس الضوء عليه في قصيدته، يضمر في صميمه المثال الفلسطيني، وقد وشت القصيدة ببعضه، وتناول مثل هذه القضايا ليس مألوفا في الأدب والشعر فهو في العادة يترك للتحليل السياسي والدراسات الاستراتيجية، وللسياسيين، لكن أن يقوم بهذا الأمر شاعر، ومن خلال عمل أدبي إبداعي، وأن يكون هذا الشاعر غربي، وألماني بالتحديد فإن هذا يعني الكثير، ويجب أن يلفت أنظار الكثير.
وقول الشاعر في قصيدته إن هذا الكيان المشبع بالسلاح النووي يمثل التهديد الحقيقي للأمن والسلام العالمي، وأن هذا الخضوع الغربي لرؤية ومصالح هذا الكيان يزيد من خطورة هذا التهديد، هو الوجه الآخر لحقيقة أن مسيرة التسوية السياسية مع هذا الكيان بشأن الحقوق الفلسطينية، والتي يعمل الغرب على فرضها إنما تمثل وجه آخر من أوجه دعم الكيان الصهيوني، وزيادة عدوانيته، وبالتالي خطره على الأمن والسلام الدوليين.
بوضوح ذهب الى أقصى مدى يقول غونترغراس أنه لم يعد هناك وقت، يجب قول هذه الحقيقة الآن وقبل فوات الأوان، لم يعد هناك وقت فالعنصرية الغربية والإسرائيلية تقود المجتمع الانساني إلى الدمار، يجب التحرك، يجب على كل قادر أن يتحرك قبل أن لايفيد ندم. 
 
إن غونتر غراس، يرى هذا الظلم والعنصرية البغيضة، ويرى هذا التواطؤ الغربي، ويحمل بلده المانيا مسؤولية خاصة بحكم التاريخ والموقع، بل ويحمل نفسه وجيله مسؤولية الصمت كل الفترة السابقة بدافع الخوف أو الجبن أو لأي دافع آخر، فيصرخ في وجه الجميع كفى، لايجوز للضمير الإنساني أن يتحمل أكثر، ويقطع على نفسه عهدا: 
لقد صمت كثيرا....
لن أصمت بعد الآن.... 
لأني سئمت من نفاق الغرب مثلما لدي الامل
بأن يتحرر الكثيرون من صمتهم
ويطالبوا المتسبب في الخطر المحدق
لنبذ العنف
إنه نداء الضمير، برهافة حس الفنان، وبمسؤولية الانتماء إلى الإنسانية، وبشجاعة حاسمة قل نظيرها.
قصيدة غونترغراس، ليست منشورا سياسيا، وليست بيانا ضد طغيان الصهيونية على العقل السياسي الغربي، لكنها في حقيقتها أكثر فاعلية من كل ذلك، وأبعد اثرا في العقل الغربي، والعقل الإنساني عموما. وآمل أن يكون لها أثر في العقل السياسي العربي.
بالتأكيد لم يكن غونتر غراس يوما إيراني الهوى، ولا شيعي المذهب، ولا هو من أنصار تمدد القوس الشيعي إلى هذا الجانب أو ذاك من العالم الإسلامي، كذلك لم يكن يوما من حماس أو الجهاد الإسلامي، أو ضد تسوية توصف بالعادلة للقضية الفلسطينية، لكنه يدرك أن هذا الكيان يفتقد أي إمكانية لاتخاذ موقف ينسجم مع خصائص الضمير الإنساني، ويدرك أن كل المعارك التي قادها ويقودها الغرب في المنطقة العربية والاسلامية كانت معارك عدوانية غاشمة وظالمة، وكانت من أجل اسرائيل. 
 
 هذا الأديب البالغ من العمر أربعة وثمانين عاما، والحائز على نوبل للآداب عام 1999، يقدم خلاصة مشوار حياته فيما يتصل بقضايا الضمير الإنساني الراهنة في هذه القصيدة، ولا أشك أنه كان مدركا إدراكا عميقا لما ستثيره هذه القصيدة من جانب الصهاينة، ومن جانب الفكر السياسي الغربي الذي التزم الرؤية الإسرائيلية للتاريخ وللمصالح، وجرم وحرم معارضتها، لكنه آثر أن يصرخ بأعلى صوته، ليسمع صوت الحق والحقيقة إلى جنبات الأرض الأربعة علً ذلك يحرك قوى الضمير الإنساني لتنقذ الإنسانية من مصير أسود، ينتظرها في وقت لن يتأخر، إذا ما استمر التواطؤ مع العنصرية الصهيونية والخضوع لاحتياجاتها المدمرة على النحو الذي نرى. 
الشارقة
17 / 4 / 2012
 د. مخلص الصيادي
 
قصيدة : ما ينبغي أن يقال
 
شعر : غونتر غراس 
 ترجمة : فخرية صالح
 
لماذا أصمت، لقد صمتُ طويلا
عما هو واضح وماتمرست على محاكاته
بأننا نحن الذين نجونا
في أفضل الاحوال في النهاية
أننا الهوامش في أفضل الأحوال
انه الحق المزعوم بالضربة الاولى،
من قبل مقهور متنمر
وابتهاج منظم يمكن توجيهه لمحو الشعب الايراني
لاشتباههم انه يصنع قنبلة نووية
لماذا أمتنع عن تسمية ذلك البلد الآخر
الذي يمتلك ومنذ سنوات -رغم السرية المفروضة-
قدرات نووية متنامية لكن خارج نطاق المراقبة، لانه لايسمح باجراء الكشف عليها
التستر العام على هذه الحقيقة
وصمتي جاء ضمنه
احسها ككذبة مرهقة لي
وإجبار، ضمن عقوبة الرأي،
عندما يتم تجاهلها؛
الحكم بـ"معاداة السامية" المألوف
لكن الآن، وذلك لأن بلدي
ومن جرائمه التي تفرد بها
والتي لا يمكن مقارنتها
يطلب منه بين حين لآخر لاتخاذ موقف،
وتتحول الى مسألة تجارية محضة، حتى وان
بشفة فطنة تعلن كتعويضات،
غواصة اخرى إلى إسرائيل
يجب تسليمها، قدرتها
تكمن،بتوجيه الرؤوس المتفجرة المدمرة
الى حيث لم يثبت وجود قنبلة ذرية واحدة ،
ولكن الخوف يأخذ مكان الدليل ،
أقول ما يجب أن يقال
ولكن لماذا حتى الان ؟
كما قلت، بلدي،
مرهون لعار لايمكن التسامح فيه
يمنع، هذا الواقع باعتباره حقيقة متميزة
أرض إسرائيل، وبها انا مرتبط
واريد ان ابقى هكذا
لماذا أقول الآن
شخت و قطرات حبر قليلة
ان اسرائيل القوة النووية تهدد
السلام العالمي الهش اصلا ؟
لأنه لا بد أنه يقال
وغدا سيكون الوقت متأخرا جدا
أيضا لأننا - كألمان مثقلون بما يكفي
لنكون موردين لما يعتبر جريمةُ
واضيف: لن اصمت بعد الان،
لاني سئمت من نفاق الغرب مثلما لدي الامل
بأن يتحرر الكثيرون من صمتهم
ويطالبوا المتسبب في الخطر المحدق
لنبذ العنف
بنفس الوقت اصر
على مراقبة دائمة وبدون عراقيل
للترسانة النووية الاسرائيلية
والمنشآت النووية الإيرانية
ما يجب أن يقال
من قبل هيئة دولية
أن يتم السماح بها من قبل البلدين
عندئذ فقط، الجميع الاسرائيليين والفلسطينيين
أكثر من ذلك، كل الذين يعيشون بجنون العداء
مكدسين في مناطق متجاورة
بالنهاية سيساعدونا.
الذي يمكن التنبؤ به، سيكون تواطئنا
حينها لن تعود الاعذار المعتادة
كافية للتكفير عن الذنب